لا زالت المرأة في العديد من الدول العالمية تعاني من أحكام الذهنية الذكورية وسياسة الإنكار والتهميش التي تُستخدم ضدها وتجردها من حقوقها في الحياة الاجتماعية والعمل، وهذه الذهنية ورثت أفكارها من ذهنية الدولة، وجميع الأنظمة التي تدعي الديمقراطية والعدالة لم تعتمد على أساليب ومبادئ عادلة في تحقيق حرية المرأة، ومعظم تلك الأنظمة منحتها حق تمثيلها في كافة الجوانب الحياتية نسبة 10 بالمئة فقط، وجميع المجتمعات في الدول العالمية التي تدعي الديمقراطية والانفتاح تعيش بحالة تشتت بسبب غياب العدل والمساواة والمبادئ الأساسية لمعنى الديمقراطية.
معاناة المرأة من الهيمنة الذهنية الذكورية وأحكامها السلبية
أن فرضيات الذهنية الذكورية القاسية على المرأة أثرت على كيانها بشكل سلبي، لأن الرجل بدأ يمارس هيمنته عليها بكافة الأساليب والطرق الممنهجة لابعادها عن جوهرها الحقيقي واحتكرها لنفسه، وسلب منها انجازاتها القيمة وفرض عيها أحكامه الظالمة لتصبح عبدة لرغباته فقط، وكل هذه الضغوطات والنمطيات التي مارستها هذه الذهنية على المرأة جعلتها تعيش مرحلة صعبة من الضياع وتبتعد عن شخصيتها الحقيقية، لتبقى أسيرة لفرضيات ومفاهيم الذهنية الذكورية، وبرغم من كافة التحولات والثورات التي حصلت على مدار السنين في العالم، إلا أن المرأة لم تصل لحقوقها بشكل ديمقراطي وعادل نسبة للرجل، وعانت كثيراً بسبب تهميش دورها في العمل والحقوق مقارنة مع الرجل من ناحية الحماية والأجور حيث يوجد نسبة بطالة كبيرة من النساء على مستوى العالم، وهناك تقليص واضح لدور المرأة وفعاليتها في المجتمع.
وعانت المرأة لسنوات طويلة في سوريا بشكل عام ومناطق شمال وشرق سوريا بشكل خاص من سياسة التهميش التي كانت تستخدم ضدها وتجردها من أبسط حقوقها في الحياة، وكانت تعيش حالة من الضياع والتشتت بسبب القوانين والأحكام والعادات البالية التي تُسير عليها من قبل الذهنية الذكورية السلطوية، سواءً كانت من قبل النظام السوري أو الفصائل الإرهابية التي حكمت المنطقة كجبهة النصرة ومايُسمى بالجيش الحر وآخرها إرهاب داعش، الذي استخدم كافة الأساليب القمعية والترهيبية ضد المرأة بهدف القضاء على وجودها وفرض إيديولوجيته عليها متجاوزاً جميع القوانين الإنسانية والأخلاقية.
ثورة 19 تموز ثورة التغيير والانفتاح الديمقراطي
ومع انطلاق ثورة 19 تموز في شمال وشرق سوريا وبعد انتصارها اختلفت كافة الموازيين الحياتية على أرض الواقع في جميع مناطق روج آفا من حيث التغييرات والتطورات الإيجابية التي حصلت وغيرت جميع المفاهيم الخاطئة في المجتمع، وقد بدأت علامات نجاح الثورة تظهر عبر تطبيق فكرة مشروع الأمة الديمقراطية ضمن الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تأسست في نوفمبر عام 2013م، تلاها تم الإعلان رسمياً عن الإدارة الذاتية الديمقرطية في ثلاث مناطق الجزيرة في 21 كانون الثاني 2014 وتلاها منطقتي عفرين وكوباني بإعلان إداراتها في الشهر ذاته.
ويُعتبر هذا المشروع من أهم انجازات وثمرات ثورة روج آفا، وبعد تحرير كافة مناطق شمال وشرق سوريا من إرهاب داعش تم الإعلان عن تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في 6 أيلول 2018، وتم تشكيل 7 إدارات ذاتية ومدنية فيها، وتتكون الهيكلية التنظيمية للإدارة الذاتية من ثلاث مجالس وهي “المجلس العام” و”المجلس التنفيذي” و”مجلس العدالة الاجتماعية”، كما تم تشكيل هيئات خاصة بالنساء ولجان ومجالس نسائية في جميع الهيئات والمؤسسات، وتم تطبيق نظام الرئاسة المشتركة في كافة مؤسسات الإدارة الذاتية والمدنية، وإعداد العقد الاجتماعي، الذي ُيعد بمثابة دستور محلي للإدارة، حيث تمثل نسبة المرأة فيه 50 بالمئة.
نظام الرئاسة المشتركة نموذج إداري ديمقراطي
استطاعت المرأة في شمال وشرق سوريا الوصول لحقها الطبيعي في الحياة العملية والاجتماعية، وأصبح لها دوراً فعلي ومشاركة بمختلف المجالات بالعدل والمساواة دون تمييز بين الجنسين، كما تمكنت المرأة من خلال نموذج الإدارة الذاتية ترسيخ دورها في الساحة الاجتماعية والعملية بكل قوة، واثبتت قدراتها في الإدارة المشتركة مع الرجل ضمن نظام الرئاسة المشتركة الذي أصبح مثالاً لأنجح مشروع إداري متطور في العالم، كونه يعتمد على المبادئ الديمقراطية والمساواة لكلا الجنسيين وينتهج فلسفة الأمة الديمقراطية، وهو نظام استثنائي لأسلوب إداري حديث يساهم في بناء مجتمع ديمقراطي وحر، ويختلف عن نظم الإدارة المركزية الممثلة بالذهنية الذكورية، وفتح للمرأة مجالات وأفق واسعة لتنشيط دورها بحرية مطلقة، حيث تمكنت من التعبير عن آرائها والمشاركة في صنع القرارات على الساحة الميدانية والخارجية.
المرأة ركيزة أساسية ضمن مشروع الإدارة الذاتية
كما أصبح للمرأة كيان خاص ومكانة عالية في كافة الأصعدة وبرزت بدورها التنظيمي, العسكري، السياسي، الدبلوماسي، الاجتماعي، الاقتصادي، وخطت خطوات هامة لتفعيل دورها في العمل وتنميته، ومارست العمل بفكرها الحر وخبرتها وأصبحت مثالاً تقتدي به كافة نساء العالم و مشروع الإدارة الذاتية ساهم بالنهوض بدور المرأة في المجتمع نحو التطور والتقدم، ويُعتبر هذا المشروع الديمقراطي الأول من نوعه في العالم لأنه ساهم بدعم جميع أفراد المجتمع والمرأة بالوصول لحقوقهم بحرية مطلقة، ويمثل الحياة التشاركية الحرة لكافة المكونات المتعايشة في المنطقة، ويعتمد في مضمونه على نهج الديمقراطية وحرية الفرد، وهو نموذج لنظام جديد ومتطور مناقض لنظام الدولة والمركزية.
نظام الرئاسة المشتركة يشكل خطراً على الدول التي تدعي الديمقراطية
وبعد النجاح والتقدم الذي حققه نموذج نظام الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية الديمقراطية وأصبح ركيزة أساسية في جميع الإدارات الذاتية والإدارات المدنية في جميع مناطق شمال وشرق سوريا، أصبح يشكل خطراً على الأنظمة التي تزعم الديمقراطية، وهناك العديد من الدول المعادية للمنطقة كالدولة التركية تسعى بكافة الأساليب إلى إلغاء نظام الرئاسة المشتركة بهدف إعادة ذهنية نظام الدولة الممثل بالذهنية الذكورية السلطوية ونشره من جديد للضغط على الشعوب الحرة والعيش المشترك، وتسعى للقضاء على تنظيم المرأة الحرة ونظام الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تتخذ من الرئاسة المشتركة أساساً لها.







